غادر البرتغالي جورجي جيسوس، دوري روشن السعودي، بعدما قدم أقوى نسخة هجومية من النصر، تحقق الدوري بـ 28 انتصارًا.
ويُعرف المدرب الأسترالي طوال مسيرته بتفانيه المطلق وغير القابل للمساومة للكرة الهجومية المندفعة، وهو الرجل الذي اعتاد ملامسة الذهب ورفع الكؤوس في كل محطة تدريبية مرّ بها.
إن التوقيع مع المدرب السابق لسلتيك وتوتنهام هوتسبير لمدة عامين يُمثّل صفقة مدوية لبطل دوري روشن السعودي، خاصة بالنظر إلى المكانة المرموقة التي حظي بها بوستيكوغلو في أوروبا بعد أن قاد السبيرز للتتويج بلقب الدوري الأوروبي (اليوروبا ليغ) العام الماضي.
كان ذلك اللقب الأول لتوتنهام منذ قرابة عقدين من الزمان، وأول إنجاز قاري للنادي منذ 41 عاماً.
وعلى الرغم من أن فترة عمله القصيرة مع نوتينغهام فورست في الموسم الماضي قد نالت قليلاً من بريقه، إلا أن نجاحه التاريخي مع نادٍ بحجم توتنهام اللندني، يبدو الأكثر إعجازاً بالنظر إلى مسيرة الفريق المتواضعة في الدوري الإنجليزي الممتاز مؤخراً، مما جعل المدرب الأسترالي هدفاً دائماً للعديد من الأندية الكبرى.
ورغم سيل العروض التي انهالت على مكتبه خلال الأشهر القليلة الماضية، إلا أن عرض النصر كان الأكثر جاذبية وإثارة لاهتمامه. والآن، ستحظى مدرجات النصر، ودوري روشن السعودي بصفة عامة، بمتعة أسلوب "أنجي بول" الشهير.
وتحمل الهوية التكتيكية الهجومية والمثيرة التي يطبقها المدرب الأسترالي أنجي بوستيكوغلو مع كل الأندية التي يدربها، مصطلحًا خاصًا (Ange Ball). وتعتمد فلسفته على مبدأ أساسي واحد، يتمثل في الهجوم المستمر ودون توقف، بغض النظر عن قوة المنافس أو نتيجة المباراة.
والميزة الكبرى التي تسهل مهمة بوستيكوغلو حين بدأ عمله مع النصر، أن القواعد والأساسات قد أُرسيت بالفعل على يد جيسوس.
وذلك عكسًا لما اعتاده المدرب المتوج بكأس آسيا 2015 مع منتخب أستراليا، في كل محطة سابقة 2015 له، إذ كان عليه دائماً البدء من نقطة الصفر.
لقد كان مدرب النصر الحالي، الخيار النموذجي للأندية التي تبحث عن "إعادة بناء"، وهو مسار يتطلب عادةً تجرع مرارة الصبر والآلام، في مرحلة يعترف بوستيكوغلو بأنه يستمتع بها كثيراً، قبل الوصول إلى مرحلة الحصاد والقمة.
تجسد ذلك بوضوح في وطنه مع فريق بريزبان رور، المحطة التي أطلقت المرحلة الثانية من مسيرته التدريبية؛ حين عانى الفريق في البداية لتحقيق الفوز بعد تعيينه في منتصف الموسم، ولم تتقبل العناصر الخبيرة في الفريق أسلوبه الذي وُصف حينها بالتطرف في الهجوم "الراديكالي".
ولكن، سرعان ما حظي بدعم الإدارة، حين قاد الفريق لتحقيق لقب الدوري مرتين متتاليتين، مسجلاً رقماً قياسياً أسترالياً بـ 39 مباراة متتالية دون هزيمة.
ثم تكرر المشهد مع المنتخب الأسترالي (الكانغارو)، حين مر بمرحلة صعبة في البداية، قبل أن يصيغ بعبقريته توليفة قادت البلاد لرفع كأس أمم آسيا على أرضها عام 2015.
وفي اليابان رفقة فريق يوكوهاما مارينوس، كان الفريق مهدداً بالهبوط في موسمه الأول بسبب صعوبة التكيف مع أسلوبه الفريد.
ولكن ماذا حدث في الموسم التالي؟ توجوا بلقب الدوري الياباني 2018-2019، بعد أن صقل بوستيكوغلو مواهب بارزة مثل تاكيفوسا كوبو ودايزن مايدا.
هذا النجاح الملهم في الملاعب اليابانية فتح له أبواب المجد في سيلتيك الإسكتلندي، وهناك أطلق شعاره الشهير: "نحن لا نتوقف أبدًا".
وفي حقيقة الأمر، لم يتوقف الفريق بالفعل طوال فترة وجوده في غلاسكو (كبرى المدن الأسكتلندية)؛ إذ حقق سيلتيك لقب الدوري مرتين متتاليتين وهيمن على الكرة الإسكتلندية، حاصداً خمسة ألقاب محلية من أصل ستة متاحة خلال موسمين.
بعدها، كانت المحطة الإنجليزية مع توتنهام، حيث بدأ كالإعصار، وحصد جائزة مدرب الشهر في البريميرليغ لثلاثة أشهر متتالية في مستهل موسم 2023-2024، مع قيادته السبيرز لقمة الترتيب.
ورغم لعنة الإصابات التي ضربت الفريق لاحقاً، أنهى توتنهام الموسم في المركز الخامس ليضمن مقعداً أوروبياً، وذلك المقعد الذي استثمره بوستيكوغلو ليحقق وعده الدائم: "أنا دائماً أفوز بالألقاب في موسمي الثاني".
ورغم الاختلاف المتوقع بين بوستيكوغلو وسلفه جيسوس في الكاريزما وأسلوب الإدارة، إلا أن رؤيتهما الفلسفية للمستطيل الأخضر تنبع من ذات المبادئ الهجومية البحتة.
لذا، يدخل بوستيكوغلو إلى غرفة ملابس تشربت بالفعل طوال موسم كامل عقلية مدرب صارم لا يرحم ويركز على الهجوم، وهي العقلية التي مهدت الطريق للتتويج بلقب دوري روشن السعودي، الأول خلال 7 مواسم.
وتشير التوقعات بالتأكيد من جانب بوستيكوغلو، ومن جماهير النصر العريضة، إلى أنه لن يحتاج إلى موسم ثانٍ لمعانقة الذهب؛ فهذه التشكيلة لا تحتاج إلى ثورة تصحيح شاملة، كما أن هذا الفريق ليس بحاجة للمرور بمرحلة المعاناة قبل تذوق طعم النجاح.
إننا أمام فريق توج لتوه بلقب الدوري؛ لذا سيكون الاتجاه إلى ثنائية الدوري ودوري أبطال آسيا للنخبة.
إن اللقب الآسيوي هو الحلقة المفقودة في مسيرة الفريق والمدرب على حد سواء.
ولأجل هذا، سيدخل بوستيكوغلو معترك دوري أبطال آسيا للنخبة بالشراسة الهجومية ذاتها التي سيخوض بها غمار الحفاظ على لقب دوري روشن السعودي لموسم 2026-2027.
من هذا المنطلق، يمثل هذا المشروع تجربة مغايرة لبوستيكوغلو؛ تجربة تدور حول "البناء على النجاح" وليس البناء من أجل الوصول إليه.
لقد ترك جيسوس، المُتوج بلقب دوري روشن السعودي مرتين، إرثاً ثقيلاً وفراغاً يصعب ملؤه؛ وتُعقد الآمال حاليًا على أنه لا يوجد رجل في عالم التدريب أجدر بملء هذا الفراغ من "أنجي" نفسه.