تحمل ذاكرة الاتحاديين مواقف بطولية للاعبين المغاربة عبر تاريخ ناديهم، آخرهم في الأعوام الماضية جاء عبر نافذة الانتقالات الشتوية، وهو عبد الرزاق حمد الله في 2021.
سجل اللاعب المنتقل من نادي النصر 52 هدفاً في 63 مباراة. ولعب حمد الله دوراً فعالًا في تتويج الاتحاد بلقب الدوري لموسم 2022-2023. ونال على الصعيد الشخصي الحذاء الذهبي للمرة الثالثة في الدوري السعودي للمحترفين.
بعد نهاية صاخبة لفترة الانتقالات الشتوية لموسم 2025-2026، يأمل الاتحاديون أن يتكرر هذا السيناريو التاريخي. فمع إغلاق باب الانتقالات، نجح حامل اللقب في اقتناص توقيع أحد نجوم كأس العالم 2022، المهاجم يوسف النصيري، خلال وقت قصير من رحيل القائد كريم بنزيما إلى الهلال.
إن تعويض فائز سابق بالكرة الذهبية مهمة صعبة. ولكن النصيري، الذي يصغر بنزيما بنحو 10 أعوام، يقدم ميزة إضافية كبيرة للاتحاد وهم يتطلعون إلى المستقبل لما بعد هذا الموسم.
وبينما يبدو أن مهمة الحفاظ على اللقب في جدة مسألة شاقة صعبة على الاتحاد؛ إلا في حال حدوث ظروف استثنائية وغير متوقعة، إلا أن الاتحاد يمكنه وضع حجر الأساس لنجاح مستدام. والنجاح هو أمر يعرفه النصيري جيداً.
لعب المهاجم البالغ من العمر 28 عاماً، والذي ارتبط اسمه بقوة بالانتقال إلى يوفنتوس الإيطالي قبل الانضمام للاتحاد، دوراً قيادياً مع منتخب بلاده في الطريق إلى نصف نهائي مونديال قطر.
وسجل النصيري هناك، في دور المجموعات أمام كندا، قبل أن يحرز هدف الفوز الشهير أمام البرتغال في ربع النهائي، ليسطر المغرب التاريخ في قطر.
ويتمتع النصيري بقوة بدنية، فهو لاعب لا يكل ولا يمل وقناص فتاك أمام المرمى. وصنع النصيري اسمه لأول مرة في جنوب إسبانيا، حين قضى خمسة مواسم مع إشبيلية. وفي المنطقة التي تُعرف بالوجدان العربي باسم "الأندلس"، توج النجم المغربي بلقب الدوري الأوروبي مرتين، مسجلاً 73 هدفاً في المجمل عبر 196 مباراة.
ولعل أبرز ذكرياته في المشاركات الأوروبية كانت ثنائيته في مرمى مانشستر يونايتد في ربع نهائي الدوري الأوروبي في أبريل 2023، متبوعاً بهدف في مرمى يوفنتوس في نصف النهائي. ومن الواضح أنه بدون النصيري، لم يكن التتويج باللقب ممكناً.
ومع ذلك، بدأت رحلته قبل ذلك بكثير، في أكاديمية محمد السادس لكرة القدم بالرباط. انضم إليها في سن الثانية عشرة، حتى أنه خاض فترة تجربة مع نادي تشيلسي الإنجليزي، رغم اعترافه لاحقاً بأنه عانى من تقلبات الطقس في المملكة المتحدة، إذ قال: "كان الجو بارداً ولم أستطع التحمل أكثر من ذلك".
بالطبع، لن يقلق النصيري من ذلك في جدة، تماماً كما لم يقلق في جنوب إسبانيا. ومع ذلك، أسهمت تجاربه في المملكة المتحدة في صقل النصيري، ليس على الجانب الفني فحسب؛ بل في شخصيته وقدرته على الصمود.
وفي الحقيقة، كانت موهبته تحتاج إلى تطوير؛ فبينما كان متفوقاً بدنياً، كانت هناك علامات استفهام حول جوانب أخرى من لعبه، وهو ما أقر به حتى خواندي راموس، المدرب الإسباني الذي منح النصيري فرصة الظهور الأول مع مالاغا في 2016.
قال راموس: "كان يمتلك قدرات بدنية هائلة تتفوق حتى على المحترفين المعتمدين، ولهذا أشركته رغم وجود عيوب تكتيكية طبيعية لديه".
حين وصل النصيري إلى جنوب غرب شبه الجزيرة الإيبيرية (إقليم أندلسيا)، بعد موسمين في مالاغا ومثلهما في ليغانيس سجل فيهما 18 هدفاً فقط في 87 مباراة، شكك البعض في قرار النادي بدفع مبلغ كبير لمهاجم لا يزال أمامه الكثير ليثبته.
لكن جولين لوبيتيجي، مدرب إشبيلية آنذاك، كان مقتنعاً به، فقال لصحيفة "لا غازيتا ديلو سبورت" الإيطالية الشهيرة: "كنا فريقاً شرساً جداً بدون كرة، نضغط بشكل عالٍ جداً، وبدا النصيري مثالياً لأنه امتلك سرعة وكثافة مذهلة".
وأضاف: "لم نكن مخطئين، واكتشفنا صفات أخرى أيضاً. إنه مهاجم عدواني يعمل بجد من أجل الفريق، وأثبت أنه مثالي لأسلوبنا في الضغط بالثلث الأخير. أما بالنسبة لألعابه الهوائية، فهو يمتلك توقيتاً دقيقاً؛ يهاجم الكرة بشجاعة وقوة عند وصول العرضيات، كما أنه سريع جداً في التحولات".
كافأ اللاعب العربي المدرب لوبيتيجي على ثقته، فتألق وأنهى سباق الهدافين في المركز الخامس في الدوري الإسباني لموسم 2020-2021 برصيد 18 هدفاً. ومن المفارقات أن أحد الذين تقدموا عليه في الترتيب لم يكن سوى بنزيما نفسه، الرجل الذي خلفه فعلياً في الاتحاد.
بالتأكيد، ترك بنزيما فراغاً كبيراً كونه قاد الاتحاد الموسم الماضي للقب الدوري ثم كأس الملك. لكن في الاتحاد، سيجد النصيري مدرباً مثل البرتغالي سيرجيو كونسيساو، الذي يفضل أسلوب اللعب الهجومي الشرس، المشابه لأسلوب لوبيتيجي، وهو الأسلوب الذي أثبت اللاعب تفضيله له.
وقد ظهرت حنكة النصيري هذا الأسبوع فقط، عندما افتتح سجله التهديفي مع الاتحاد بهدف في غضون ثلاث دقائق خلال الفوز على الغرافة في دوري أبطال آسيا للنخبة. ونشر النصيري عبر وسائل التواصل الاجتماعي: "الحمد لله على التوفيق. سعيد جدًا بتسجيل أول هدف لي بقميص الإتحاد في دوري أبطال آسيا. إنها لحظة خاصة وبداية أعتز بها مع هذا النادي الكبير وجماهيره العظيمة. والقادم أفضل بإذن الله… معًا من أجل المزيد ".
وذلك الأمل المنشود من فريقه؛ فإذا استطاع النصيري الوصول إلى نفس المستويات التي حققها في إسبانيا، فقد يتكرر النجاح المغربي التاريخي في معقل الاتحاد مرة أخرى.